محاكمة الظل
كنا نسير دائماً سوياً، أنا وهي.
كانت تخبرني دوماً أن أكون مثالية، متفوقة، مهذبة، هادئة، ولطيفة. كانت تمسك يدي بهدوء لصة، وبصبر آلهة.
ولدنا مع اصفرار الأشجار، تسامرنا الليالي وتشاركنا الأسرار؛ كم أحببتها في الصغر!
عندما كنتُ أحزن، كنت أراها بجانبي. لا تواسي كما يفعل الآخرون، لا تبكي ولا تحزن، بل كانت نظرتها صارمة.. نظرة تخيفني وتدفعني لمسح دموعي والسير للأمام. كانت ملهمتي، فكيف تغير بنا الحال؟
لم أعد أذكر عدد المرات التي تشاجرنا فيها. صرتُ أخبرها أنني لم أعد أريدها، وأنني بدأت أشعر يوماً بعد يوم أن هذا الحب يخنقني.
لماذا ألبي رغباتها وأسعى للمثالية؟
أريد أن أخطئ، أن أفشل، أن أخيب آمالها.
كم مرة قلتُ هذا؟ ولكنها، كما تفعل دائماً، تشيعني بنظرة الأمومة الدافئة، فأعانقها وأبتسم.. وأنسى.
أذكر أنني قلت لها: أريد أن أكون شجاعة، أتكلم دون قيد أو خوف.
فتأمرني بالصمت.
أخبرتها أنني أرغب بالتمرد على قوانين هذا العالم وكسر القوالب، أن أفكر لا كما لُقنت، بل كما تعلمت.
فتأمرني بالحذر والابتعاد عن الخطر.
أخبرتها أنني أريد أن أتحرر.
والآن، تراني أجلس وحيدة. لقد أبعدتني عن الجميع وبقيت هي فقط بجانبي. ورغم وجودها، أشعر بتلك التيارات الباردة تحذرني بأنني وحيدة حقاً.
لذا، قررتُ التخلص منها كما فعلتُ سابقاً.
وقفتُ بهدوء أمام المرآة وقلت: "لا أريد أن نبقى سوياً.. أنتِ حكيمة ومثالية، وأنا متمردة ومليئة بالأخطاء. ليذهب كل منا في طريق".
ربما ليس هذا ما أريده حقاً.. كل ما أريده هو أن أكون "أنا"، لا "هي"!


